بين آلاف القطع الأثرية التي يضمها المتحف المصري بالتحرير، تقف قطعة صغيرة الحجم نسبيًا، لكنها من أكثر القطع التي أثارت الجدل بين علماء المصريات والمهندسين والباحثين في تاريخ الحضارات القديمة.
إنها "قرص سابو"، ذلك القرص الحجري الذي يعود عمره إلى أكثر من خمسة آلاف عام، والذي ما زال حتى اليوم يطرح سؤالًا واحدًا لم يستطع أحد الإجابة عنه بصورة قاطعة: لماذا صنعه المصري القديم؟ وما الغرض الحقيقي من تصميمه بهذه الدقة المدهشة؟

وعلى مدار ما يقرب من تسعين عامًا منذ اكتشافه، ظهرت عشرات الدراسات والفرضيات، فهناك من اعتبره إناءً حجريًا أو مبخرة للطقوس الدينية، بينما رأى آخرون أنه جزء من آلة ميكانيكية متطورة، وذهب فريق إلى اعتباره أول مضخة مياه في التاريخ.
في حين، طرحت الباحثة شيماء فاروق رؤية مختلفة تمامًا ربطت بينه وبين تقنيات الطهي في مصر القديمة، بينما ذهبت بعض الكتب والمواقع الأجنبية إلى تفسيرات أكثر غرابة، وصلت إلى حد اعتباره نموذجًا لتكنولوجيا مفقودة أو قطعة مستوحاة من حضارة متقدمة سبقت المصريين القدماء، بل وربطه بعض أصحاب نظرية "رواد الفضاء القدماء" بالكائنات الفضائية، وهي فرضيات لا تستند إلى أي دليل أثري معتمد.
◄ بداية الحكاية
وتبدأ حكاية قرص سابو في العاشر من يناير عام 1936، عندما كان عالم المصريات البريطاني الشهير والتر براين إيمري يقود أعمال حفائر واسعة في جبانة سقارة، تلك المنطقة التي تعد واحدة من أهم الجبانات الملكية والإدارية في مصر القديمة، والتي احتضنت مقابر كبار رجال الدولة منذ عصر الأسرات المبكرة.
وكان إيمري قد كرس سنوات طويلة من حياته لدراسة آثار الأسرة الأولى والثانية، واستطاع خلال حملاته بين عامي 1935 و1939 الكشف عن عدد كبير من المقابر التي ألقت الضوء على بدايات الدولة المصرية الموحدة.
وأثناء أعمال الحفر اكتشف إيمري المقبرة رقم 3111، وهي مقبرة الأمير سابو، أحد كبار رجال الدولة في الأسرة الأولى، والذي تشير أغلب الدراسات إلى أنه كان ابن الملك "عج إب"، خامس ملوك الأسرة الأولى، وحفيد الملك "دن" أحد أعظم ملوك تلك الأسرة. ورغم أن المصادر التاريخية لم تحفظ لنا الكثير عن حياة الأمير سابو، فإن ضخامة مقبرته وما احتوته من مقتنيات جنائزية يؤكدان أنه كان شخصية ذات مكانة كبيرة داخل البلاط الملكي، وربما تولى إدارة أحد أقاليم مصر خلال حكم والده وجده.

◄ مقابر كبار رجال الدولة في عصر الأسرات
وفي هذا السياق، يقول الباحث الأثري الدكتور حسين دقيل إن الأمير سابو يعد من أبرز أمراء الأسرة الأولى، وكان ابن الملك عج إب وحفيد الملك دن، وتشير الأدلة الأثرية إلى أنه تولى إدارة بعض الأقاليم خلال فترة حكم والده وجده، وهو ما يفسر المكانة المرموقة التي حظي بها، وكذلك ثراء المقبرة التي دُفن بها في سقارة، والتي كشفت عن مجموعة كبيرة من القطع الأثرية المهمة، إلا أن أشهرها على الإطلاق كان ذلك القرص الحجري الذي ظل لغزًا حتى يومنا هذا.
اقرأ ايضا| حكايات من كيمت | ودائع الأساس.. الرسائل التي أخفاها الملوك تحت المعابد
وضمت المقبرة سبع حجرات امتلأت بالأواني الحجرية والفخارية، وأدوات من النحاس، وسكاكين من الصوان، ورؤوس سهام، وأطباق حجرية، وعظام حيوانات، ومشغولات من العاج، وهي مقتنيات تتفق مع ما اعتاد علماء الآثار العثور عليه داخل مقابر كبار رجال الدولة في عصر الأسرات المبكرة، لكن وسط هذه القطع ظهر جسم غريب كان مكسرًا إلى عدة أجزاء متناثرة، ولم يدرك أحد وقتها أن هذه القطعة الصغيرة ستتحول إلى واحدة من أشهر ألغاز الحضارة المصرية القديمة.
احتاج المرممون إلى وقت طويل لإعادة تجميع أجزاء القرص، وبعد نجاحهم في ذلك ظهرت قطعة تختلف تمامًا عن أي قطعة أثرية أخرى عُرفت من تلك الفترة.
فقد بلغ قطرها نحو 61 سنتيمترًا، بينما وصل ارتفاعها إلى نحو 10.4 سنتيمترات، وتوسطها أنبوب أسطواني قطره يقارب عشرة سنتيمترات، بينما امتدت حوله ثلاثة فصوص رفيعة منحنية بدقة هندسية لافتة، تتوزع على زوايا تبلغ 120 درجة تقريبًا، وهو تصميم متناظر بصورة تكاد تكون مثالية.

لكن الغريب لم يكن في الشكل وحده، وإنما في المادة التي صُنع منها القرص، فقد نُحت بالكامل من حجر الميتاسيلتستون، الذي يعرف مجازًا باسم حجر الشيست، وهو من الصخور الهشة التي تتشقق بسهولة عند تعرضها للصدمات، كما يصعب جدًا تشكيلها بتلك الدقة، خصوصًا إذا علمنا أن المصريين في ذلك العصر لم تكن لديهم سوى أدوات بسيطة من النحاس والأحجار الصلبة.
◄ أول لغز حقيقي يواجه علماء الآثار
ولهذا السبب بدأ أول لغز حقيقي يواجه علماء الآثار، إذ تساءلوا كيف استطاع المصري القديم قبل أكثر من خمسة آلاف عام أن ينحت حجرًا بهذه الهشاشة إلى هذا الشكل المعقد دون أن ينكسر أثناء العمل عليه، خاصة أن الفصوص الثلاثة رقيقة للغاية، وأي خطأ بسيط أثناء النحت كان كفيلًا بتحطيمها بالكامل.
وتشير العديد من الدراسات المنشورة في مواقع أجنبية متخصصة في علم الآثار وتاريخ الحضارات القديمة إلى أن هذه النقطة تحديدًا هي ما جعل قرص سابو قطعة استثنائية، فالمشكلة لا تكمن فقط في غموض وظيفته، بل في الطريقة التي صُنع بها أيضًا، إذ يرى عدد من الباحثين أن تنفيذ هذا التصميم على حجر الشيست يتطلب مهارة حرفية استثنائية، حتى بمقاييس العصر الحديث، وهو ما يعكس مستوى متقدمًا للغاية من الخبرة لدى الصناع المصريين في عصر الأسرة الأولى.
◄ الجدل حول وظيفة "القرص سابو"
ومنذ لحظة اكتشافه بدأ الجدل حول وظيفة القرص. ففي البداية اعتبره والتر إيمري نوعًا من الأواني الحجرية، خاصة أنه عُثر عليه وسط مجموعة كبيرة من الأواني الجنائزية، لكن هذا التفسير لم يلق قبولًا واسعًا، إذ لاحظ الباحثون أن شكله لا يساعد على حفظ السوائل أو استخدامه كوعاء تقليدي، كما أن الفصوص الثلاثة لا تؤدي أي وظيفة معروفة في صناعة الأواني، وهو ما دفع آخرين إلى اقتراح أنه ربما كان مبخرة أو قطعة تستخدم في الطقوس الدينية، غير أن هذا الرأي واجه انتقادات عديدة أيضًا، إذ لم تظهر على سطح القرص أي آثار احتراق أو ترسبات تدل على تعرضه للنار أو استخدامه في إشعال البخور.

ويرى الدكتور حسين دقيل أن جميع هذه التفسيرات الأولى لم تكن مقنعة بصورة كافية، موضحًا أن البعض اعتبر القرص زهرية أو مبخرة أو أداة للزينة أو قطعة استخدمت في الطقوس الشعائرية، إلا أن هذه الآراء لم تقدم تفسيرًا منطقيًا لذلك التصميم الهندسي المعقد، ولا للجهد الكبير الذي بُذل في نحته من حجر شديد الهشاشة، وهو ما فتح الباب أمام ظهور تفسيرات أخرى حاولت الربط بين شكل القرص ووظائف ميكانيكية أكثر تعقيدًا.
◄ قرص سابو.. اللغز الذي حيّر علماء العالم منذ خمسة آلاف عام
ومع مرور السنوات، لم يتوقف الجدل حول قرص سابو، بل ازداد اتساعًا مع تطور علوم الهندسة والميكانيكا وظهور تقنيات النمذجة ثلاثية الأبعاد. فقد بدأ بعض المهندسين ينظرون إلى القطعة بعين مختلفة تمامًا عن علماء الآثار، معتبرين أن تصميمها لا يشبه الأواني أو المباخر المعروفة في مصر القديمة، بل يقترب إلى حد كبير من أجزاء الآلات الحديثة، خاصة أن الفصوص الثلاثة المنحنية تشبه شفرات المراوح أو الدوافع المستخدمة في تحريك السوائل.
ومن هنا ظهرت واحدة من أشهر النظريات المتعلقة بقرص سابو، وهي أنه كان جزءًا من مضخة مياه أو ما يشبه الدفاعة الداخلية التي تعتمد على قوة الطرد المركزي. واستند أصحاب هذه النظرية إلى أن شكل الفصوص الثلاثة، والانحناءات الدقيقة بينها، والفتحة المركزية، جميعها عناصر تتوافق مع المبادئ الهندسية التي تقوم عليها المضخات الحديثة.
◄ إعادة تصنيع نموذج مطابق لقرص سابو
ولم يكتف بعض الباحثين بعرض هذه الفرضية نظريًا، بل قاموا بإعادة تصنيع نموذج مطابق لقرص سابو باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد، ثم وضعوه داخل هيكل يحاكي المضخات الحديثة، وأجروا عليه عدة تجارب. وأظهرت النتائج أن التصميم بالفعل قادر على دفع المياه وإحداث دوامة قوية عند الدوران بسرعات معينة، وهو ما دفع البعض إلى الاعتقاد بأن المصريين القدماء ربما امتلكوا معرفة هندسية متقدمة في التحكم في حركة المياه.
لكن هذه النتائج، رغم إثارتها، لم تقنع علماء المصريات، فالتجربة أثبتت فقط أن شكل القرص يسمح بهذه الوظيفة، لكنها لم تثبت أن المصريين استخدموه بالفعل لهذا الغرض.
كما أن حجر الشيست، وهو المادة المصنوع منها القرص، لا يتحمل الدوران المستمر أو السرعات العالية، إذ يمكن أن يتعرض للكسر بسهولة، وهو ما يجعل استخدامه داخل آلة ميكانيكية تعمل لفترات طويلة أمرًا غير عملي.

كما لم يعثر علماء الآثار داخل مقبرة الأمير سابو أو في أي موقع أثري آخر على أجزاء أخرى يمكن أن تكون مرتبطة بهذه المضخة المفترضة، مثل هيكل معدني أو محور دوران أو مكونات مساعدة، وهو ما أبقى هذه النظرية في إطار الفرضيات الهندسية التي لم يدعمها أي دليل أثري مباشر.
ويشير عدد من الباحثين إلى أن مصر القديمة كانت بالفعل من أكثر الحضارات اعتمادًا على إدارة المياه، وأن المصريين طوروا نظمًا متقدمة للري والتحكم في مياه النيل، خاصة في العصور اللاحقة، إلا أن الأدلة الأثرية لا تشير إلى وجود مضخات بالطرد المركزي خلال عصر الأسرة الأولى، وهو ما يجعل الربط بين قرص سابو وهذه التقنية أمرًا يحتاج إلى أدلة أقوى.
◄ ألغاز الحضارة المصرية
وفي المقابل، ظهرت فرضية أخرى أكثر بساطة، رأت أن القرص ربما كان أداة تستخدم في جدل الحبال أو نسج الخيوط. واستند أصحاب هذا الرأي إلى أن الفصوص الثلاثة يمكن أن تثبت ثلاثة خيوط منفصلة، ثم يؤدي دوران القرص إلى دمجها في حبل واحد أكثر قوة ومتانة.

غير أن الباحث الأثري الدكتور حسين دقيل يرى أن هذا التفسير لا يبدو مقنعًا أيضًا، موضحًا أن المصري القديم عرف أدوات أبسط وأسهل كثيرًا في صناعة الحبال ونسج الألياف، ولم يكن بحاجة إلى نحت قطعة بهذه الدقة من حجر هش من أجل أداء وظيفة يمكن تنفيذها بأدوات خشبية أو عظمية أقل تكلفة وأكثر عملية. ولذلك فإن هذه الفرضية، رغم بساطتها، لا تفسر سبب التعقيد الكبير في تصميم القرص ولا تبرر اختيار حجر الشيست تحديدًا لصناعته.
ومن بين الآراء العلمية التي تناولت هذه القطعة أيضًا، ما طرحه عالم المصريات البريطاني الشهير سيريل ألدريد، الذي رأى أن قرص سابو ربما لم يكن قطعة مستقلة، وإنما جزء من تركيب أكبر، وربما كان ملحقًا بجسم معدني لم يصل إلينا.
واستند ألدريد إلى أن تصميم القرص لا يبدو مكتملًا في حد ذاته، وإنما يوحي بأنه كان يعمل ضمن منظومة أكبر، إلا أن هذه الفرضية ظلت هي الأخرى بلا دليل أثري، إذ لم يُعثر حتى الآن على أي قطعة معدنية يمكن ربطها به.

ومع استمرار الجدل، بدأت بعض المواقع الأجنبية المتخصصة في الحضارات القديمة، مثل Ancient Origins، في تناول قرص سابو باعتباره واحدًا من أكثر ألغاز الحضارة المصرية غموضًا. وتشير هذه المواقع إلى أن الغرابة لا تكمن فقط في وظيفة القرص، وإنما في دقة صناعته أيضًا، فالمادة المصنوع منها تُعد من أكثر الصخور هشاشة وصعوبة في النحت، بينما يظهر القرص وكأنه خرج من ورشة تستخدم أدوات دقيقة للغاية.
كما تناولت مواقع أجنبية أخرى، مثل Mille et une tasses، قصة اكتشاف القرص بالتفصيل، وأشارت إلى أن والتر براين إيمري عندما اكتشفه وجده محطمًا إلى عدة أجزاء داخل مقبرة الأمير سابو، ثم أعيد تركيبه بصعوبة، ومنذ ذلك الوقت لم يتفق علماء المصريات على تفسير واحد لوظيفته، وهو ما جعله أحد أشهر الألغاز الأثرية في العالم.
ولم يتوقف الأمر عند حدود النظريات العلمية، بل امتد إلى فرضيات أكثر إثارة، إذ رأى بعض الكتاب المهتمين بما يعرف بنظرية "الحضارات المفقودة" أن قرص سابو ربما يكون نسخة حجرية لقطعة أقدم كانت مصنوعة من معدن، وأن المصريين القدماء أعادوا تقليدها بالحجر بعد العثور على نموذج أقدم لا يعرفون وظيفته.
بل ذهب الكاتب السويسري إريك فون دانيكن، صاحب نظرية "رواد الفضاء القدماء"، إلى أبعد من ذلك، فاعتبر أن القرص قد يكون نموذجًا حجريًا لجزء من آلة متقدمة أو لمحرك مركبة فضائية، مستندًا فقط إلى التشابه الشكلي بين القرص وبعض المكونات الهندسية الحديثة. إلا أن علماء الآثار يرفضون هذه الطروحات رفضًا قاطعًا، مؤكدين أنها لا تستند إلى أي دليل أثري أو علمي، وأنها تدخل في نطاق الخيال أكثر من البحث العلمي.

ورغم الانتقادات الموجهة إلى هذه النظريات، فإنها تعكس حقيقة واحدة، وهي أن قرص سابو قطعة غير مألوفة بالفعل، وأن تصميمها لا يشبه معظم الأدوات التي عُرفت في عصر الأسرة الأولى، وهو ما يفسر استمرار الجدل حولها حتى اليوم.
◄ قرص سابو.. هل أخفى المصري القديم سره داخل قطعة حجرية حيرت العالم؟
ورغم تعدد الآراء التي حاولت تفسير وظيفة قرص سابو، فإن أياً منها لم يحظ بإجماع علماء المصريات، وهو ما جعل هذه القطعة تظل واحدة من أكثر القطع الأثرية غموضًا في العالم.
فكلما ظهرت فرضية جديدة، ظهرت في المقابل تساؤلات أخرى تنقضها أو تكشف جوانب لم تستطع تفسيرها، لذلك بقي قرص سابو لغزًا مفتوحًا ينتظر اكتشافًا أثريًا جديدًا قد يحسم الجدل.
ومن أحدث الفرضيات التي طُرحت خلال السنوات الأخيرة، ما قدمته الباحثة شيماء فاروق، رئيسة شعبة التنشيط السياحي بنقابة المهنيين للسياحيين، والتي حاولت الابتعاد عن التفسيرات التي تربط القرص بالطقوس الدينية أو بالآلات الميكانيكية، وقدمت رؤية مختلفة تنطلق من الحياة اليومية للمصري القديم، وتحديدًا من المطبخ الملكي وتقنيات الطهي.
وترى الباحثة أن مفتاح فهم القرص يكمن في المادة التي صُنع منها، وهي حجر الميتاسيلتستون المعروف مجازًا باسم الشيست، وهو حجر هش لا يتحمل التعرض المباشر للنيران أو الصدمات الحرارية، إذ يتشقق بسهولة عند تعرضه للهب المباشر، ومن هنا تطرح فرضيتها بأن المصري القديم لم يصنع القرص ليكون فوق النار مباشرة، وإنما ليعمل وسيطًا لتوزيع الحرارة أو البخار بصورة متوازنة.

وتوضح أن التصميم المكون من ثلاثة فصوص منحنية موزعة بانتظام حول المركز يسمح بمرور الهواء الساخن والبخار بشكل متساوٍ حول الإناء، وهو ما يشبه في وظيفته ما تقوم به "عين البوتاجاز" أو قاعدة توزيع اللهب في المطابخ الحديثة، حيث تمنع تركيز الحرارة في نقطة واحدة، وتساعد على انتشارها بصورة متجانسة، وهو ما يحقق طهيًا هادئًا ومتوازنًا.
وتضيف أن هذه الفرضية قد تفتح بابًا جديدًا لفهم تطور تقنيات الطهي في مصر القديمة، خاصة أن الشواهد الأثرية تؤكد براعة المصريين القدماء في صناعة الخبز، وتجفيف الأغذية، وتخمير المشروبات، وإعداد أنواع متعددة من الطعام، وبالتالي ليس مستبعدًا أن يكونوا قد عرفوا أيضًا أساليب للطهي غير المباشر أو الطهي بالبخار، وهي تقنيات تتطلب التحكم في درجات الحرارة بصورة دقيقة.
وترى الباحثة أن وجود مثل هذه الأداة داخل مقبرة أمير من الأسرة الأولى قد يعكس مستوى الرفاهية والتقدم الذي وصلت إليه المطابخ الملكية في ذلك العصر، وأنها ربما كانت من الأدوات الثمينة التي استحق صاحب المقبرة أن تصاحبه في رحلته إلى العالم الآخر، مثلما كانت تصاحبه الأواني والأدوات الشخصية الأخرى.
◄ دليل أثري مباشر
ورغم أن هذه الفرضية لاقت اهتمامًا بين عدد من الباحثين، فإنها لا تزال، مثل غيرها، بحاجة إلى دليل أثري مباشر، كالعثور على قطعة مشابهة في سياق استخدام واضح، أو العثور على نصوص أو مناظر توضح كيفية استخدامها، وهو ما لم يتحقق حتى الآن.
ويؤكد الباحث الأثري الدكتور حسين دقيل أن المشكلة الأساسية في قرص سابو ليست في تعدد النظريات، وإنما في غياب الدليل الحاسم، فكل تفسير يبدو منطقيًا من زاوية معينة، لكنه يعجز عن تفسير جميع التفاصيل الهندسية الموجودة في القطعة، ولذلك لا يمكن الجزم بأن القرص كان مبخرة أو إناءً أو مضخة أو أداة لنسج الحبال أو وسيلة لتوزيع الحرارة، لأن علم الآثار لا يعتمد على التخمين، بل على الأدلة المادية المباشرة.

ولهذا السبب لا يزال قرص سابو يصنف بين القطع الأثرية التي لم تُحدد وظيفتها بصورة نهائية، وهي حالة ليست نادرة في علم الآثار، فهناك العديد من الأدوات القديمة التي عرف العلماء تاريخها ومكان اكتشافها، لكنهم لم يتمكنوا من تحديد استخدامها الحقيقي بسبب غياب النصوص أو النماذج المماثلة.
ومن اللافت أن قرص سابو لا يشبه أي قطعة أخرى اكتُشفت في مصر القديمة، فلم يعثر علماء الآثار حتى الآن على نموذج مماثل له في أي مقبرة أو معبد أو موقع أثري، وهو ما يزيد من غموضه، ويجعل المقارنة مع أدوات أخرى أمرًا بالغ الصعوبة.
كما أن وجوده داخل مقبرة الأمير سابو يثير تساؤلات إضافية، إذ اعتاد المصري القديم أن يضع مع المتوفى الأشياء التي سيحتاج إليها في العالم الآخر، سواء كانت أدوات للحياة اليومية أو رموزًا دينية أو مقتنيات ذات قيمة شخصية، ولذلك يعتقد بعض الباحثين أن القرص لا بد أنه كان يمثل شيئًا مهمًا في حياة صاحبه، حتى وإن كنا لا نعرف اليوم طبيعة هذا الشيء.
أما النظريات التي تربط القرص بالكائنات الفضائية أو بالحضارات الخارقة، فلا تجد قبولًا لدى المؤسسات العلمية أو علماء المصريات، لأنها لا تقوم على أي دليل أثري موثق، وإنما تعتمد على التشابه الشكلي بين القرص وبعض المكونات الهندسية الحديثة، وهو تشابه لا يكفي لإثبات أي علاقة تاريخية.
وتؤكد المواقع العلمية الأجنبية المتخصصة في الحضارات القديمة أن قرص سابو يظل قطعة فريدة من نوعها، وأن قيمته الحقيقية لا تكمن فقط في غموض وظيفته، بل في كونه شاهدًا على المهارة الفائقة التي امتلكها صناع مصر القديمة في بدايات التاريخ. فصناعة قطعة بهذه الدقة من حجر شديد الهشاشة قبل أكثر من خمسة آلاف عام تمثل إنجازًا فنيًا وتقنيًا في حد ذاته، حتى لو ظلت وظيفتها مجهولة.
واليوم، وبعد مرور ما يقرب من تسعين عامًا على اكتشافه، ما زال قرص سابو معروضًا داخل المتحف المصري بالتحرير، يتوقف أمامه الزائرون من مختلف أنحاء العالم، يلتقطون الصور، ويتأملون تفاصيله، ويطرحون السؤال نفسه الذي طرحه والتر براين إيمري عام 1936: لماذا صنع المصري القديم هذه القطعة؟

وربما تكشف حفائر المستقبل عن قطعة مشابهة، أو يعثر الباحثون على نقش قديم يشرح استخدامها، وعندها فقط قد يسقط الغموض الذي أحاط بقرص سابو طوال آلاف السنين.
أما إلى أن يحدث ذلك، فسيبقى هذا القرص شاهدًا على أن الحضارة المصرية القديمة لا تزال تحتفظ بأسرار لم تُكشف كلها بعد، وأن بعض ألغازها ما زالت تنتظر من ينجح في قراءة رسائلها الصامتة، لتظل حكاية قرص سابو واحدة من أكثر حكايات كِمِت إثارة، ليس لأنها تقدم إجابات، بل لأنها تدفعنا دائمًا إلى طرح المزيد من الأسئلة.


عمره 240 مليون عام.. حكاية «الماستودونصور» أضخم مفترس في التاريخ
حكايات من كيمت | ودائع الأساس.. الرسائل التي أخفاها الملوك تحت المعابد
زهور على قدم التابوت.. أسرار أكبر عملية إنقاذ للمومياوات في التاريخ القديم






